ركن الحاج : آداب الحاج

النفقة في الحج

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:


فإن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد قُيِّدَ هذا الركن العظيم بالاستطاعة، فإذا ما وُجد هذا الشرط وجب على المسلم الحج، وحيث انتفى هذا الشرط سقط الوجوب عنه 1 يقول الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (آل عمران: 97)، وأوضحت السنة معنى استطاعة السبيل فجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل فقام رجل آخر فقال: أي الحج أفضل؟ قال: ((العج والثج ، فقام رجل آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: ((الزاد والراحلة 2 ، فمن لا نفقة له لا يعد مستطيعاً.


وهذه النفقة لا بد أن تكون كافية:


1- لجميع تكاليف حجه.


2- ولمن يجب عليه الإنفاق عليه؛ إلى أن يرجع إلى بلده


فإذا توفرت هذا النفقة له ولمن يعول؛ وجب عليه الحج، وإلا فلا.


والذي ينبغي على من عزم على الحج أن يوفر لأهله ما يحتاجون إليه من مئونة ونحوها لئلا يحتاجوا إلى الناس، أو يتعرضوا للضياع، ولا يجوز له أن يتركهم من غير نفقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت 3 ، وذُكِرَ أن مولى لعبد الله بن عمرو قال له: إني أريد أن أقيم هذا الشهر (رمضان) هاهنا ببيت المقدس، فقال له: تركت لأهلك ما يقوتهم هذا الشهر؟ قال: لا، قال: فارجع إلى أهلك فاترك لهم ما يقوتهم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت 4 .


ثم عليه أن يطيب بها نفساً، ويحتسبها عند الله تعالى فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة رواه البخاري برقم (55) ومسلم برقم (1002) واللفظ له.


وهذه النفقة التي يبذلها لأهله، أو ينفقها في حجه؛ ينبغي أن تكون من مال طيب حلال لا شبهة فيه لأن ((الله طيب لا يقبل إلا طيباً رواه مسلم برقم (1015)، ولما كان الحج قربة إلى الله سبحانه فإنه لا يُتَوصَّل إليه بما حرمه سبحانه.


كما أن من ثمار أكل الحلال أنه يصلح القلب، وينشط على الطاعة، ويكون من أسباب وجل القلب وخوفه من الله، واستجابة الدعاء، وقبول الأعمال، فإذا ما أراد أن يكون حجه مبروراً فليلتزم بضوابط الشرع التي حددها له، ومن جملتها طيب النفقة في الحج. قال أبو عبد الله بن عيدوس: 'واعلم أن عماد الدين وقوامه هو طيب المطعم، فمن طاب مكسبه زكا عمله، ومن لم يصحح طيب مكسبه خيف عليه أن لا تقبل صلاته وصيامه، وحجه وجهاده، وجميع عمله؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (المائدة: 27)، ونظر عمر إلى المصلين فقال: لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه، الدين الورع في دين الله، والكف عن محارم الله، والعمل بحلال الله وحرامه. وقال ابن عمر: أفضل الحجاج أخلصهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقيناً' أ.ه 5 .


ويروى لبعض الأئمة أنه قال:


إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير


لا يقبل الله إلا كل طيبـــةٍ مـا كل من حج بيت الله مبرور


وعلى الحاج أن يأخذ لنفسه النفقة الكافية حتى يستغني بفضل الله الذي أعطاه عن الحاجة إلى ما في أيدي الناس، ولا يسأل الناس، أو يتطلع إلى ما في أيديهم، فإن من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله رواه البخاري (1400)، ومسلم (1053)، ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنه عند قوله: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (البقرة:197) أنه قال: 'كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: 'نحج بيت الله ولا يطعمنا'، فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس'6، والأفضل أن يأخذ زيادة عن حاجته ليتصدق ويحسن إلى الفقراء والمحتاجين في تلك البقاع الطاهرة مغتنماً شرف الزمان والمكان.


نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، والحمد لله رب العالمين.


موقع مناسك

 

 


1 انظر فتاوى اللجنة الدائمة (11/ 45).

 

2 أخرجه الترمذي (2998) والمنذري في الترغيب والترهيب (2/180) وحسنه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: 'له طرق متعددة لا بأس ببعضها' شرح العمدة (المناسك) (1/127)، وقال ابن حجر العسقلاني: 'إسناده صحيح إلى الحسن' التلخيص الحبير (3/833)، وقال الألباني: 'حسن لغيره' صحيح الترغيب (1131).

 

3 رواه أحمد (6828)، وأبو داود (1694)، وحسنه الألباني، انظر صحيح الجامع (4481).

 

4 رواه أحمد (6842)، والبيهقي (15472)، وحسنه شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند.

 

5 المدخل (4/210) لابن الحاجب المالكي.

 

6 تفسير ابن جرير الطبري (4/159).

موسوعة الفتاوى