ركن الحاج : المواقيت

تجاوز الميقات بدون إحرام

إن من أركان الحج المتفق عليها الإحرام، فلا يصح الحج إلا به، ولهذا الركن مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية، والتزام مريد الحج بهذه المواقيت من الواجبات التي لابد منها في حجه.

 

 


إن من أركان الحج المتفق عليها الإحرام، فلا يصح الحج إلا به، ولهذا الركن مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية، والتزام مريد الحج بهذه المواقيت من الواجبات التي لابد منها في حجه.


وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة مجاوزة الميقات المكاني بغير إحرام, فإن جاوزه متعمداً فهو آثم.


وهنا يحصل تساؤل : ما الواجب في حق من تجاوز الميقات بدون إحرام وهو يريد الحج أو العمرة؟


الأقوال في ذلك هي:


1- إن لم يحرم بعد فيعود إلى الميقات ويحرم ولا شيء عليه، وليس في ذلك خلاف.


2- إن أحرم بعد أن تجاوز الميقات فعليه دم، سواء عاد إلى الميقات أم لم يعد. ( مالك وأحمد ) وهذا هو القول الراجح. وممن رجحه ابن قدامة والشيخ محمد ابن إبراهيم والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين واللجنة الدائمة.


3- إن عاد إلى الميقات قبل أن يتلبس بأفعال الحج أو العمرة فلم يلزمه دم، وإن أحرم بعد الميقات. ( الشافعي )


4- إن رجع إلى الميقات فلبى سقط عنه الدم وإن لم يلبِّ لم يسقط. ( أبو حنيفة )


وهذه الأقوال يذكرها ابن قدامه رحمه الله في المغني فيقول:


مسألة: قال : ومن أراد الإحرام فجاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات فإن أحرم من مكانه فعليه دم وإن رجع محرماً إلى الميقات.


وجملة ذلك أن من جاوز الميقات مريداً للنسك غير محرم فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه إن أمكنه سواء تجاوزه عالماً به أو جاهلاً، علم تحريم ذلك أو جهله، فإن رجع إليه فأحرم منه فلا شيء عليه لا نعلم في ذلك خلافاً، وبه يقول جابر بن يزيد والحسن وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وغيرهم : لأنه أحرم من الميقات الذي أمر بالإحرام منه فلم يلزمه شيء كما لو لم يتجاوزه.


وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وبهذا قال مالك وابن المبارك.


وظاهر مذهب الشافعي أنه إن رجع إلى الميقات فلا شيء عليه إلا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج كالوقوف وطواف القدوم فيستقر الدم عليه، لأنه حصل محرماً في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج فلم يلزمه دم، كما لو أحرم منه.


وعن أبي حنيفة إن رجع إلى الميقات فلبى سقط عنه الدم وإن لم يلب لم يسقط.


وعن عطاء و الحسن و النخعي : لا شيء على من ترك الميقات.


وعن سعيد بن جبير : لا حج لمن ترك الميقات...'[1] .


ثم يرجح رحمه الله القول بأنه ( إن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع )، ويذكر الأدلة على ترجيحه فيقول: '... ولنا ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: (من ترك نسكا فعليه دم)[2] روي موقوفاً ومرفوعاً، ولأنه أحرم دون ميقاته فاستقر عليه الدم كما لو لم يرجع، أو كما لو طاف عند الشافعي، أو كما لو لم يلب عند أبي حنيفة، ولأنه ترك الإحرام من ميقاته فلزمه الدم كما ذكرنا، ولأن الدم وجب لتركه الإحرام من الميقات ولا يزول هذا برجوعه، ولا بتلبيته، وفارق ما إذا رجع قبل إحرامه منه، فإنه لم يترك الإحرام منه ولم يهتكه'[3].


وما رجحه ابن قدامة هو ما ذكره الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، قال: 'إن كان قاصدًا الحج والعمرة من أصل سفره، فهذا إذا تعدى الميقات فعليه دم بلا نزاع؛ للسنة الظاهرة، وإن أمكنه أن يرجع قبل الإحرام رجع وأحرم ولا شيء عليه'


حكم من مر بالميقات وهو لا يريد حجاً أو عمرة:


يقول الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله: ' وقوله: ممن أراد الحج والعمرة [4] يحتج به من يذهب إلى أن مريد تجارة، أو زيارة الأرحام لا يلزمه إحرام، والمعروف لزوم ذلك، لزوم كل مريد مكة بحج أو عمرة أو غير ذلك، وهو من خصائص مكة، وهذا أحد القولين أو الثلاثة، وأحمد وأكثر أهل العلم وقول ابن عباس، ويقولون إنه خرج مخرج الغالب فلا يكون قيدًا؛ لأن الغالب قصد مكة لذلك'[5].


ويرجح ابن عثيمين رحمه الله أنه لا شيء على من تجاوز الميقات وهو لا يريد الحج أو العمرة، فقال: 'وأما إذا تجاوزه وهو لا يريد الحج ولا العمرة، فإنه لا شيء عليه، سواء طالت مدة غيابة عن مكة أم قصرت، وذلك لأننا لو ألزمناه بالإحرام من الميقات في مروره هذا، لكان الحج يجب عليه أكثر من مرة أو العمرة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحج لا يجب في العمرة إلا مرة، وأن ما زاد فهو تطوع، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في من تجاوز الميقات بغير إحرام، إي أنه إذا كان لا يريد الحج ولا العمرة ، فليس عليه شيء، ولا يلزمه الإحرام من الميقات'[6].


من تجاوز الميقات ناسياً أو جاهلاً مكانه:


والدم واجب على مريد الحج أو العمرة إذا تجاوز الميقات ولم يرجع إليه، ولو كان ناسياً أو جاهلاً مكانه،سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: 'شخص أراد أن يأخذ عمرة ولكنه نسى أن يحرم من الميقات؟ الجواب: يرجع لميقاته الذي نسى أن يحرم منه فيحرم من هناك وإن لم يستطع فإنه يحرم من مكانه الذي ذكر فيه، ويذبح فدية في مكة يوزعها على فقراء مكة، أما إذا كان لم ينو العمرة، وقال إن تيسر لي اعتمرت فإنه يحرم من حيث تيسر له'[7].


حكم الإحرام من جدة لغير أهلها:


وفي هذه الأيام نجد أن الكثير ممن يصل إلى مطار جدة لا يحرم إلا من جدة، فهو يمر على ميقات بلده ولا يحرم، على أنه سيحرم من جدة، وعلى هذه المسألة نبه العلامة ابن جبرين رحمه الله إذ يقول: 'إذا مر على الميقات وجب عليه أن يحرم منه، فإذا جاوز الميقات وأحرم بعدما جاوزه فعليه دم؛ لأنه ترك الإحرام من الميقات. وكثيراً ما يقع السؤال عن الذين يذهبون إلى جدة، ثم يحرمون منها، فهؤلاء عليهم دم؛ حيث إنهم تجاوزوا الميقات، سواء كان سفرهم براً أو جواً، فيلزمهم أن يحرموا من الميقات، فيحرم -مثلاً- في الطائرة من محاذاة الميقات، ولو تقدمه بخمس أو عشر دقائق جاز، ويحرم من كان في سيارة إذا مر بالميقات، وإذا قدر أنه تجاوز الميقات ووصل إلى جدة، ثم أراد أن يحرم؛ لزمه أن يرجع حتى يحرم من الميقات، فمن لم يرجع وأحرم بعدما جاوز الميقات فعليه دم، ولا يفيده رجوعه بعد الإحرام، فلو وصل -مثلاً- إلى الزيمة، ثم أحرم منها، ورجع بعد ما أحرم إلى السيل ما سقط عنه الدم، أما إذا رجع قبل أن يحرم فإن عليه أن يحرم من الميقات ولا دم عليه، وهكذا إذا وصلوا إلى جدة عن طريق الجو ولم يحرموا، نقول لهم: ارجعوا إلى الميقات، وإن أحرمتم من جدة فعليكم الدم لمجاوزة الميقات'[8].

 


وبهذا يتضح عدم جواز مجاوزة الميقات بدون إحرام لمن مر عليه وهو يريد الحج أو العمرة ، فإن جاوزه وجب عليه أن يرجع فيحرم منه ولا شيء عليه، فإن أحرم بعد أن تجاوزه فعليه دم ، شاة يذبحها في مكة ويوزعها على فقراء الحرم ، سواء رجع إلى الميقات بعد أن أحرم أم لم يرجع.


والله أعلم ، والحمد لله رب العالمين.

 

 


[1] المغني لابن قدامة (3 / 221).

 

[2] قال الألباني :ضعيف مرفوعاً وثبت موقوفا، إرواء الغليل (1100).

 

[3] المغني لابن قدامة (3 / 221).

 

[4] من كلام ابن عباس رضي الله عنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري (1427)، ومسلم (2023)

 

[5] كتاب الحج من فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (1/194).

 

[6] فتاوى الحج من أركان الإسلام لابن عثيمين (1/12).

 

[7] فتاوى الحرم للعثيمين (3/64).

 

[8] شرح أخصر المختصرات لابن جبرين.

موسوعة الفتاوى