ركن الحاج : إيمانيات الحاج

مدرسة الحج

فقد خرجنا من مدرسة رمضان الإيمانية، والتي تعلمنا فيها كثيرًا من الصفات الحسنة، والأخلاق الإسلامية الرائعة، وتخلينا فيها عن كثير من الصفات الذميمة، والسلبيات المشينة، وها نحن اليوم نعيش مع مدرسة أخرى من مدارس الإيمان، لنتعرف فيها على بعض الأخلاق الرفيعة، والصفات الإيمانية النبيلة، تلك هي مدرسة الحج.


إن المسلم الكيس هو الذي يستفيد من هذه المدارس الإيمانية، فيزداد من الله قربا، فيحصل الخلال الحميدة، ويبتعد عن الصفات المشينة.


ومن هذه الدروس التي يتعلمها المسلم في هذه المدرسة الإيمانية ما يلي:


أولا: تجريد التوحيد لله وتحقيقه، وإفراده سبحانه بالعبادة والطاعة، والإخلاص له في ذلك، فكل مناسك الحج تعلمنا هذا الدرس، بداية من التجرد من لباسنا المعتاد عند الميقات، ولبسنا لملابس الإحرام، مروراً بالتلبية، ثم الطواف والسعي والوقوف بعرفة وعند المشعر الحرام ورمي الجمرات والتكبير والتهليل والتحميد ونحر الهدي والأضاحي ....


ثانيا: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا عليه الصلاة والسلام لما حج كان مما أمرنا به وحثنا عليه المتابعة له، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) رواه مسلم (2286). وكأنه يقول لنا: حجوا كما حججت، ولبوا كما لبيت، وقفوا كما وقفت، وارموا كما رميت، وهكذا إلى أن تنتهوا من أعمال الحج ومناسكه.


لذلك فقد وعى هذا الدرس الصحابة وفهموه فهماً دقيقاً، فهذا عمر رضي الله عنه لما حج جاء إلى الحجر الأسود، وقبله، ثم قال: 'إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك' رواه البخاري (1494) واللفظ له، ومسلم (2228).


ثالثا: الاستجابة لأوامر الله ورسوله، والتسليم له سبحانه؛ يتجلى ذلك من خلال استجابة إبراهيم الخليل عليه السلام لأمر الله له بأن ينادي في الناس بالحج، حيث قال الله له: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (سورة الحـج(27).


وقد ذكر: 'المفسرون أنه لما أَمره ربه، أن يؤذن في الناس بالحج، قال: يا رب، كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: 'لبيك اللهم لبيك'[1].


يقول العلامة عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله: 'وقد فعل الخليل عليه السلام، ثم من بعده ابنه محمد صلى الله عليه وسلم، فدعيا الناس إلى حج هذا البيت، وأبديا في ذلك وأعادا، وقد حصل ما وعد الله به، أتاه الناس رجالاً وركباناً من مشارق الأرض ومغاربها'[2].


لقد استجاب لهذه الدعوة الكون كله على مر العصور، وما زال الناس يأتون إلى بيت الله الحرام، مستجيبين لهذه، وسيستمرون في ذلك إلى ما يشاء الله.


رابعا: تقوى الله ومراقبته في السر والعلن، لذلك نجد في آيات الحج في سورة البقرة وفي سورة الحج، كثيرا ما يجمع الله بين شعائر الحج وبين تقواه ومراقبته، يقول الله تعالى: وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (سورة البقرة (197)، ويقول أيضا: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ إلى أن قال: لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (سورة البقرة:203). في هاتين الآيتين الإشارة إلى تقوى الله ومراقبته. وبقول سبحانه في سورة الحج ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( سورة الحج 32 )


ودرس التقوى ليس مقصورا على عبادة الحج فقط، بل جميع العبادات شرعها الله لتحصيل التقوى؛ كما الصيام.. والصلاة.. والزكاة.. إلخ..


سادسا: الوحدة والاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله: الحج شعار الوحدة، فالحج يجعل الناس سواسية في لباسهم وأعمالهم وشعائرهم وقبلتهم وأماكنهم، فلا فضل لأحد على أحد: الملك والمملوك الغني والفقير الوجيه والحقير الكل في ميزان واحد.. الخ.


فالناس سواسية في الحقوق والواجبات، وهم سواسية في هذا البيت لا فضل للساكن فيه على الباد والمسافر فهم كلهم متساوون في البيت الحرام لا فرق بين الألوان والجنسيات وليس لأحد أن يفرق بينهم. وحدة في المشاعر ووحدة في الشعائر، وحدة في الهدف، وحدة في العمل، وحدة في القول: (الناس من آدم، وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى).


أكثر من مليوني مسلم يقفون كلهم في موقف واحد، وبلباس واحد، لهدف واحد، وتحت شعار واحد، يدعون رباً واحداً، ويتبعون نبياً واحداً.. وأي وحدة أعظم من هذه.


سادسا: الانضباط، والوفاء بالموعد والعهود: إنك حين تتأمل المناسك ترى فيها دقة عجيبة, فأنت ترى المسلم يقف عند هذا المكان من حدود عرفة, فلو وقف هنا كان داخل عرفة, ولو تأخر متراً واحداً كان خارج عرفة, ولو وقف هنا نائماً أو صامتا لصح حجه, ولو وقف هناك وصار يدعو ويتضرع لم يصح حجه, ما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ تراه يرمي الجمرة الأولى قبل الثانية, وبعدها العقبة، ولو رمى تلك قبل هذه لم تصح, تراه يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة ولو عكس لم يصح له الأمر، هذا اليوم يقف في عرفة، وفي الليل يبيت في مزدلفة، وفي أيام التشريق يكون في منى ...... وهكذا في دفعه من عرفة وفي سائر المناسك تراها منضبطة بمكان أو وقت أو زمان أو هيئة معينة وهذا كله يربي في المسلم أن يكون منضبطاً في أوقاته وفي مواعيده'[3].


سابعا: اليسر والسهولة ورفع المشقة؛ جاء في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه. قال: (فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدّم ولا أخّر إلا قال: افعل ولا حرج).


ونقصد باليسر والسهولة هنا المنضبطين بالضوابط الشرعية، وليس اليسر والسهولة ما يوافق أهواءنا ورغباتنا وأذواقنا وعادتنا.


ثامنا: الإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار، وهذا درس واضح وجلي لكل من يتأمل في آيات الحج في سورتي الحج والبقرة، يقول الله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (سورة البقرة(198) (199) (200)، فهذه الآيات كلها تحثنا على الإكثار من الذكر والاستغفار.


وفي جانب الدعاء يخبرنا عليه الصلاة والسلام بأن خير الدعاء دعاء عرفة؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير [4].


تاسعا: التربية على الأخلاق الفاضلة، فالأخلاق الحسنة لها ارتباط وثيق بالعبادات، ولذلك كثيرا ما يقرن الله بين العبادات والأخلاق، فمثلا في الحج يقول الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ (سورة البقرة:197).


إنها دعوة إلى الابتعاد على الأخلاق السيئة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، كالحلم والعفو والصفح والتسامح والإيثار والرحمة والتعاون والإحسان والبذل والكرم والجود، ما أشبه ذلك.


عاشراً: المحاسبة والتوبة، فهذه المدرسة الربانية تربي الحاج على محاسبة نفسه، ذلك أن محاسبة النفس؛ طريقة المؤمنين، وسمة الموحدين، وعنوان الخاشعين، فالمؤمن متق لربه، محاسب لنفسه، مستغفر لذنبه، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير وشرها مستطير، فهي أمارة بالسوء ميالة إلى الهوى، داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك، توّاقة إلى اللهو إلا من رحم الله، فلا تُترك لهواها؛ لأنها داعية إلى الطغيان من أطاعها قادته إلى القبائح، ودعته إلى الرذائل، وخاضت به المكاره، تطلعاتها غريبة، وغوائلها عجيبة، ونزعاتها مخيفة، وشرورها كثيرة، فمن ترك سلطان النفس حتى طغى فإن له يوم القيامة مأوىً من جحيم: أما من طغى * وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ، وعلى النقيض: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى .


فالمؤمن يحاسب نفسه، كما يقول الحسن البصري رحمه الله: 'المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة'[5].


ويقول أيضا: 'لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضي قدماً قدماً لا يحاسب نفسه'.


وقال مالك بن دينار: 'رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز و جل، فكان لها قائداً'[6].


فالحاج الصادق في توجهه عندما يستشعر عظم الزمان والمكان، ويرى بكاء الباكين، وابتهال العابدين، ودموع المنيبين؛ يدعوه ذلك كله إلى محاسبة نفسه على تفريطها في جنب الله، فيكون ذلك بداية توبته وأوبته إلى الله عز وجل، فما بالك إذا تذكّر ما يفيضه الله على عباده في منسك الحج من وابل الرحمات، وعظيم الهبات، وتكفير الخطايا والسيئات، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما، ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك، فقال: (إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت). فقالا: أخبرنا يا رسول الله! فقال الثقفي للأنصاري: سل. فقال: جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه، مع الإفاضة. فقال: والذي بعثك بالحق! لعنْ هذا جئت أسألك. قال: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام؛ لا تضع ناقتك خفاً، ولا ترفعه؛ إلا كتب (الله) لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة. وأما ركعتاك بعد الطواف؛ كعتق رقبة من بني إسماعيل. وأما طوافك بالصفا والمروة؛ كعتق سبعين رقبة. وأما وقوفك عشية عرفة؛ فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاؤني شعثاً من كل فج عميق يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر؛ لغفرتها، أفيضوا عبادي! مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له. وأما رميك الجمار؛ فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات. وأما نحرك؛ فمدخور لك عند ربك. وأما حلاقك رأسك؛ فلك بكل شعره حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها خطيئة. وأما طوافك بالبيت بعد ذلك؛ فإنك تطوف ولا ذنب لك يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك، فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى)[7].


هذه بعض الدروس التي نستفيدها من هذه المدرسة الربانية، وكلما كان الإنسان أكثر استفادة من هذه المدرسة كلما كان أكثر تحقيقاً لمقصودها التي لأجلها شرعت، وكلما كان محققاً لهذه الغاية كلما كان أقرب من الله سبحانه وتعالى.


نسأل الله أن يرزقنا حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


موقع مناسك


[1] أضواء البيان(4/299).

 

[2] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص(536).

 

[3] من: محاضرة بعنوان: 'لبيك اللهم لبيك' للشيخ محمد الدويش.

 

[4] رواه الترمذي(3509). وقال الألباني: 'حسن لغيره'، كما في صحيح الترغيب والترهيب، رقم(1536).

 

[5] حلية الأولياء (2/157).

 

[6] إغاثة اللهفان(1/78-79).

 

[7] رواه()، يقول الحافظ المنذري: 'رواه الطبراني في الكبير والبزار واللفظ له'، وقال الألباني: 'حسن لغيره' كما في صحيح الترغيب، رقم(1112).

موسوعة الفتاوى