ركن الحاج : إيمانيات الحاج

لبيك اللهم لبيك

إن الحياة الطيبة هي التي يعيشها العبد طائعاً لمولاه، يجيب داعي الله كلما ناداه، كثير الانطراح بين يدي الله، ما ألذها من حياة، كلها تعبد وافتقار، كلها توحيد للواحد للقهار، كلها تعظيم للملك الجبار، حياة جميلة شعارها هو قول الله جل في علاه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات :56)، فلا يترك أهل هذه الحياة الطيبة أمراً من أوامر الله إلا امتثلوه، ولا نهياً مما نهى عنه إلا اجتنبوه، فهم دائمو الاستجابة لنداء لله سبحانه؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن حياتهم لا تصلح إلا بطاعة الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (سورة النحل:97)، فالحياة الحقيقة التي يهنأ بها صاحبها هي التي حفت بالاستجابة لله، والانقياد له: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (سورة الأنفال:24).


ومن النداءات التي أمر الله عز وجل أن ينادى بها أولياؤه النداء العظيم الذي فيه تتجلى صور التوحيد لرب العبيد، وتبرز معاني الانقياد لإله العباد، وترى معالم الذل والانكسار بين يدي الواحد القهار.


إنه نداء الحج: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(سورة الحـج:27-28).


نداء يسمعه أهل الإيمان فتطير قلوبهم، نداء تهفو إليه أرواح الصالحين، نداء لا يعذر أحد بترك الاستجابة إلا من عذره الله من فوق سبع سماوات، نداء يمضي إلى إجابته من أراد الآخرة، وسعى لها سعيها، وبذل ما يستطيع لأجلها، فالقلب، واللسان، النفس، والجوارح وكل ذرات البدن تعترف بربها وتقر بعبوديته، وتعترف بقوته، وتخضع لجبروته بحداء: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .. لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل .. لبيك إله الحق لبيك ..


ولا يلبي المسلم بمفرده، بل يشارك معه الحجر والشجر: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ (سورة الإسراء:44)، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر، أو شجر، أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا [1].


إلهنا ما أَعدلكْ *** مليك كلِّ من ملكْ .. لبيَّك قد لبيتُ لك *** لبيّك إنَّ الحمدَ لك


والملكَ لا شريك لك *** والليلَ لما أن حلكَ .. والسابحاتِ في الفلك *** على مجاري المُنْسَلَك


ما خاب عَبدٌ أمَّلك *** أنت له حيث سلك .. لولاك يا ربِّ هلك *** كلُّ نبيّ وملَك


وكلُّ من أهلّ لك *** سبّح أو لبَّى فلَك .. والحمد والنعمة لك *** والعزَّ لا شريك لك


نداء تتفجر منه ينابيع التوحيد، يقول جابر رضي اللَّه عنه: ' فأهلّ بالتوحيد: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك' رواه مسلم (2137).


نعم إنها كلمات كلها توحيد، ففيها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) حروفاً ومعنى، ففي التلبية توحيد الألوهية (لا شريك لك) فلا شريك له في كل العبادات، وفي التلبية توحيد الربوبية (لك والملك)، وتوحيد الأسماء والصفات (إن الحمد والنعمة) فالحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، والنعمة: أي الإنعام، فالنعمة للَّه، وهى من صفات الأفعال.


التلبية بالتوحيد سعياً إلى المحبوب، وبذل المستطاع للقائه، واستجابة لندائه، يقول السعدي رحمه الله: 'ولهذا قال جابر رضي الله عنه: فأهل بالتوحيد؛ لأن قول الملبي: (لبيك اللهم لبيك) التزام لعبودية ربه، وتكرير لهذا الالتزام بطمأنينة نفس، وانشراح صدر، ثم إثبات جميع المحامد وأنواع الثناء، والملك العظيم لله تعالى، ونفي الشريك عنه في ألوهيته وربوبيته وحمده وملكه هذا حقيقة التوحيد، وهو حقيقة المحبة؛ لأنه استزارة المحب لأحبابه، وإيفادهم إليه ليحظوا بالوصول إلى بيته، ويتمتعوا بالتنوع في عبوديته والذل له والانكسار بين يديه، وسؤالهم جميع مطالبهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية في تلك المشاعر العظام والمواقف الكرام؛ ليجزل لهم من قِراه وكرمه مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وليحط عنهم خطاياهم ويرجعهم كما ولدتهم أمهاتهم، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ولتحقق محبتهم لربهم بإنفاق نفائس أموالهم، وبذل مهجهم بالوصول إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس'[2].


(لبيك اللهم لبيك) اعتراف من المخلوق للخالق بأنه مقيم على طاعته وعبادته، وتكريم من الله عز وجل لعباده الحجاج والمعتمرين حيث أنه سبحانه هو الذي دعاهم لبيته العتيق.


(لبيك اللهم لبيك) يرفع بها الرجال الأصوات؛ لتشترك في ترديدها جميع جوارح الجسم وكل ما فيه من ذرات.


(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) تأمل فيها ابن القيم رحمه الله فقال إنها تتضمن أموراً كثيرة، نذكر منها: 'المحبة، ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، وتتضمن التزام دوام العبودية، وتتضمن الخضوع والذل, أي خضوعاً بعد خضوع, من قولهم: أنا ملب بين يديك, أي خاضع ذليل، وتتضمن الإخلاص، وتتضمن التقرب من الله، ومتضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه, وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له، ومشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله, وأول من يدعى إلى الجنة أهله, وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها، مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها، أي النعم كلها لك, وأنت موليها والمنعم بها، ومشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده , فلا ملك على الحقيقة لغيره، ومتضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده ...إلخ'[3].


اللهم وفقنا لإجابة نداءك، والوقوف يوم تباهي بأوليائك، واعتقنا اللهم من نارك .. آمين.


موقع مناسك

 

[1] رواه ابن ماجه (2912)، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2/ 155).

 

[2] إرشاد أولى البصائر والألباب لنيل الفقه بأيسر الطرق والأسباب للعلامة السعدي (1/81-82).

 

[3] بتصرف من حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (5/ 178-180).

موسوعة الفتاوى