ركن الحاج : الهدي والأضحية

شروط البهيمة في الهدي والأضحية

يقصد بالهدي في الحج: ما يُهدى من الأنعام إلى الحرم تقرباً إلى الله تعالى قال - تعالى -: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (سورة الحج:36)، وقد أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل, وأهدى مرة بغنم كما في حديث علي رضي الله عنه قال: 'أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة، فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها'رواه البخاري برقم (1631), وعن عائشة رضي الله عنها قالت: 'أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنماً' رواه البخاري برقم (1614).


ومن حكمته تبارك وتعالى أن شرع للذين لم يُقدِّر لهم أن يحجوا ويهدوا إلى البيت الحرام ما يشاركون به إخوانهم الحجاج، فشرع لهم الأضاحي, وجعل فيها أجراً عظيماً.


لكن ينبغي أن يُعلَم في ذلك أن للهدي والأضحية شروطاً من المهم توافرها في البهيمة التي نريد التضحية أو الهدي بها، وهذه الشروط هي كما يلي:


أولاً: أن تكون من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها لقوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (سورة الحج: 34)، وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم هذا هو المعروف عند العرب, وقاله الحسن وقتادة وغير واحد.


ثانياً: أن تبلغ السن المحدود شرعاً: وذلك بأن تكون جذعة من الضأن, أو ثنية من غيره؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذبحوا إلا مسنة؛ إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن رواه مسلم (1963)، والمسنة: الثنية فما فوقها, والجذعة: ما دون ذلك, فالثني من الإبل: ما له خمس سنين, والثني من البقر: ما له سنتان, والثني من الغنم ما له سنة, والجذع: ما له نصف سنة; فلا تصح التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز، ولا بما دون الجذع من الضأن.


ثالثاً: أن تكون خالية من العيوب المانعة من الإجزاء: والعيوب المانعة هي أربعة كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي أقصر من يده فقال: أربع لا يجزن: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى [1].


1- العور البيِّن: وهو الذي تنخسف به العين، أو تبرز حتى تكون كالزر، أو تبيض ابيضاضاً يدل دلالة بينة على عورها.


2- المرض البيِّن: وهو الذي تظهر أعراضه على البهيمة كالحمى التي تقعدها عن المرعى، وتمنع شهيتها, والجرب الظاهر المفسد للحمها، أو المؤثر في صحته, والجرح العميق المؤثر عليها في صحتها ونحوه.


3- العرج البيِّن: وهو الذي يمنع البهيمة من المشي مع السليمة.


4- الهزال المزيل للمخ.


فهذه العيوب الأربعة مانعة من إجزاء الأضحية بما تعيب بها, ويلحق بها ما كانت مثلها أو أشد, فلا تجزئ الأضحية بما يأتي:


1- العمياء التي لا تبصر بعينها.


2- مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين.


3- والعاجزة عن المشي لعاهة فيها, وغير ذلك مما يلحق بها.


فإذا ضممت ذلك إلى العيوب الأربعة المنصوص عليها وما يلحق بها كانت لا تجزئ في الهدي، ولا في الأضاحي.


رابعاً: أن تكون ملكاً للمهدي أو مأذوناً له فيها: من قبل الشرع، أو من قبل المالك; فلا تصح بما لا يملكه كالمغصوب والمسروق، والمأخوذ بدعوى باطلة ونحوه, لأنه لا يصح التقرب إلى الله بمعصيته.


خامساً: أن لا يتعلق بها حق للغير: كأن تكون مرهونة.


الشرط السادس: أن يذبح الهدي في الوقت المحدد: وهو من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فيكون عدد أيام الذبح أربعة: يوم العيد من بعد الصلاة، وثلاثة أيام بعده, وقال الإمام النووي رحمه الله: 'وقت ذبح الهدى ففيه وجهان مشهوران أصحهما وبه قطع العراقيون وجماعات من غيرهم أنه كوقت الأضحية يختص بيوم العيد، وأيام التشريق، ويدخل بعد طلوع شمس يوم النحر، ومضي قدر صلاة العيد، والخطبتين، ويخرج بخروج أيام التشريق؛ فإن خرجت ولم يذبحه فإن كان نذراً لزمه ذبحه، ويكون قضاء، وإن كان تطوعاً فقد فات الهدى في هذه السنة؛ فإن ذبحه قال الشافعي والأصحاب كان شاة لحم لا هدياً, والوجه الثاني: حكاه الخراسانيون أنه لا يختص بزمان بل يجوز قبل يوم النحر وفيه، وبعد أيام التشريق كدماء الجبرانات، والمذهب الأول, واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن ذبح الهدى يختص بالحرم، ولا يجوز في غيره، واتفقوا على أنه يجوز في أي موضع شاء من الحرم ولا يختص بمنى, قال الشافعي رحمه الله: الحرم كله منحر حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة، لكن السنَّة في الحج أن ينحر بمنى لأنها موضع تحلله، وفى العمرة بمكة وأفضلها عند المروة لأنها موضع تحلله، والله أعلم'[2].


وقال العلامة ابن باز رحمه الله: 'من ذبح قبل العيد دم العمرة، أو دم التمتع؛ فإنه لا يجزئه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يذبحوا إلا في أيام النحر, وقد قدموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي الحجة، وبقيت الغنم والإبل التي معهم موقوفة حتى جاء يوم النحر, فلو كان ذبحها جائزاً قبل ذلك لبادر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليه في الأيام الأربعة التي أقاموها قبل خروجهم إلى منى، لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت، فلما لم يذبح النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه حتى جاء يوم النحر؛ ودل ذلك على عدم الجزاء، وأن الذي ذبح قبل يوم النحر خالف السنة، وأتى بشرع جديد فلا يجزيء، كمن صلى أو صام قبل الوقت فلا يصح صوم رمضان قبل وقته، ولا الصلاة قبل وقتها نحو ذلك؛ فالحاصل أن هذه عبادة أداها قبل الوقت فلا يجزيء، فعليه أن يعيد هذا الذبح إن قدر، وإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ فتكون عشرة أيام بدلاً من الذبح'[3].


وقال الشيخ ابن جبرين رحمه الله: 'و أما ذبح الهدي فيُشرع بعد الرمي مباشرة، و المراد بالهدي: ما يُساق من خارج الحرم، و يُهدى إلى مكة تقرباً وتطوعاً، وتعظيماً لحرمات الله تعالى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ساق معه هدياً بلغ مائة بدنة، جاء علي رضي الله عنه ببعضها من اليمن، وكذا كثير من الصحابة رضي الله عنهم ساقوا معهم هدياً من المدينة ومن غيرها، ولا يدخل في مسماهُ فدية التمتع والقران، وإنما تسمى هدياً أو فدية لأنها من جنس ما يهدى من الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم.


ووقت الذبح من صبح يوم النحر إلى آخر أيام التشريق الثلاثة، وكره بعض العلماء الذبح ليلاً لأن البعض يخفون هديهم وفديتهم في الليل ليحرموا المساكين، وحيث إن الذبح يكثر في هذه الأيام؛ فأرى أن لا كراهة في الليل كالنهار، إذا خاف أن لا يجد من يأكل فديته أو هديه يوم النحر فله التأخير، وهو أفضل، حيث إن الكثير الذين يذبحون في يوم العيد يلقون ما يذبحونه في الأرض فتحرق تلك اللحوم أو تدفن، وتذهب ضياعاً، بخلاف ما إذا أخَّر الذبح إلى اليوم الحادي عشر أو بعده فسوف يجد من يتقبله من المساكين وغيرهم'[4].


مكان ذبح الهدي:


'لا يجوز ذبح الهدي إلا في الحرم لقول الله تبارك تعالى: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (سورة الحج: 33)'[5]قال الشيخ ابن باز رحمه الله: 'هدي التمتع والقران لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، فإذا ذبحه في غير الحرم كعرفات وجدة وغيرهما فإنه لا يجزئه؛ ولو وزع لحمه في الحرم، وعليه هدي آخر يذبحه في الحرم سواء كان جاهلاً أو عالماً, لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في الحرم وقال: خذوا عني مناسككم [6]، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم إنما نحروا هديهم في الحرم تأسياً به صلى الله عليه وسلم'[7].


وسُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز ذبح الهدي خارج الأراضي المقدسة، وفي بلد الحاج بالذات؟


فأجابت: 'محل الهدي الحرم المكي، فيجب ذبح جميع الهدي التمتع والقران في داخل الحرم، ولا يجوز الذبح في بلد الحاج غير مكة؛ إلا إذا عطب الهدي المهدى إلى مكة قبل وصوله إليها؛ فإنه يذبحه في مكانه، ويجزئ عنه، وكذلك في المحصر عن دخول الحرم، ينحر هديه حيث أحصر'[8].


والحمد لله رب العالمين.


موقع مناسك

 

[1] رواه النسائي (4369)؛ وابن ماجة (3144)؛ وأحمد في المسند (18533)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح؛ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (2545).

 

[2] المجموع (8/190).

 

[3] فتاوى إسلامية (2/663).

 

[4] فتاوى الشيخ ابن جبرين.

 

[5] بدائع الصنائع (5/85)؛ وشرح فتح القدير (3/163).

 

[6] رواه النسائي (3062)؛ والطبراني في الكبير (614)؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع (7882) من حديث جابر رضي الله عنه.

 

[7] فتاوى إسلامية (2/662).

 

[8] فتاوى اللجنة الدائمة (11/380) برقم (6138).

موسوعة الفتاوى