ركن الحاج : أحكام السفر وآدابه

طواف الوداع

ها
قد وصل الحاج إلى لحظة الوداع، وبعد المكوث في تلك البقاع الطيبة التي عاش فيها
الحاج أحلى أيامه ولياليه، وبعد العبادات المتنوعة، والشعائر المختلفة؛ فإنه يشرع
له أن يكون طوافه بالبيت الحرام هو آخر ما يفعله في هذه الرحلة الماتعة، ويسمى هذا
الطواف بطواف الوداع، وطواف الصدر، أما عن تسميته بطواف الوداع فـ'لأن هذا الطواف
إنما وجب توديعاً للبيت، ويسمى طواف الصدر لوجوده عند صدور الحجاج، ورجوعهم إلى
وطنهم'1.

 

وفي طواف الوداع مسائل مهمة نأتي على بعض منها:

 

1-

هل هذا الطواف واجب أم سنة؟

 

طواف
الوداع مختَلَفٌ في الحكم عليه عند العلماء على قولين:

 

القول الأول: إنه واجب ومن تركه عمداً أو
جهلاً أو نسياناً لزمه دم، وأثم إن كان متعمداً؛ وهو قول الأحناف، وقول الحنابلة،
وهو قول عند الشافعية جاء في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر للحنفية: 'وهو (أي
طواف الصدر) واجب لقوله عليه الصلاة والسلام: من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت
الطواف '2،
وجاء في المغني لابن قدامة رحمه الله: 'وطواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه،
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري'3،
وقال أيضاً: 'وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع'4،
واستدل من يقول بالوجوب بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:
لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده
بالبيت 5،
وما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال: 'أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض'6.

 

القول الثاني: إنه مندوب لا يأثم من تركه،
ولا دم عليه، وبه قالت المالكية، وهو قول للشافعية، جاء في الفواكه الدواني لابن
غنيم المالكي: 'طواف الوداع عبادة مستقلة يستحب فلعها لتوديع البيت لكل خارج من
مكة'7،
وجعلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق:
لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده
بالبيت 8
أمر مندوب، واستدلوا على الندب بأن الحاج يطوف للوداع بعد أن أبيح له وطء نسائه،
فالطواف بذلك أصبح مندوباً يقول ابن عبد البر: 'وأما طواف الوداع فهو عنده مستحب لا
يجب على تاركه شيء لأنه لما كان عمله بعد استباحة وطء النساء والعبيد أشبه التطوع
الذي لا شيء على تاركه'9،
وجاء في مهذب أبي إسحاق الشيرازي: 'فإن أراد الخروج طاف للوداع، وصلى ركعتي الطواف
للوداع، وهل يجب طواف الوداع أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يجب لما روى ابن عباس
رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت 10،
والثاني: لا يجب لأنه لو وجب لم يجز للحائض تركه'11.

 

وقد رجح الشيخ ابن باز رحمه الله القول
بالوجوب لما في هذا القول من قوة فقد سئل رحمه الله: 'هل طواف الوداع واجب على من
أراد الخروج من مكة المكرمة في أي حالة أو مستحب أو سنة؟ فأجاب: طواف الوداع في
وجوبه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه واجب في حق الحاج، ومستحب في حق المعتمر...'12.

 

وذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عدم وجوب
طواف الوداع على الحاج، بل يجب فقط على الخارج من مكة قال في الشرح الممتع: '...
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لوجب على المقيم
والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على من سافر، وعلى هذا فلا
يتوجه عده في واجبات الحج، إذ إن واجبات الحج لا بد أن تكون واجبة على كل من حج،
لكنه واجب على من أراد الخروج من مكة...'13،
ثم ذكر حديث ابن عباس السالف الذكر مستدلاً به على وجوب الوداع على من خرج من مكة.

 

2-

على القول بالوجوب فإن من خرج من مكة من الحجاج عليه دم، لكن لو عاد
فما مقدار المسافة التي يمكن أن يعود منها ليطوف طواف وداع؟

 

خلاف
بين العلماء:

 

القول الأول: أن المسافة التي يمكن أن
يعود منها ليطوف طواف الوداع هي المسافة بين مكة والميقات، وبه قال الأحناف، جاء في
مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: 'ومن نفر ولم يطف للصدر فإنه يرجع فيطوفه بغير
إحرام جديد ما لم يتجاوز الميقات، فإن جاوزها لم يجب الرجوع ويلزمه دم'14.

 

القول الثاني: يجب عليه الرجوع مالم يبلغ
مسافة القصر وهو قول الحنابلة ومن قال بالوجوب من الشافعية، يقول ابن قدامة رحمه
الله تعالى في المغني: 'فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب، وإن بعد بعث بدم،
هذا قول عطاء والثوري، والشافعي وإسحاق، وأبي ثور، والقريب هو الذي بينه وبين مكة
دون مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي'15،
وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: 'إذا خرج بلا وداع وقلنا يجب طواف الوداع
عصى، ولزمه العود للطواف ما لم يبلغ مسافة القصر من مكة، فإن بلغها لم يجب العود
بعد ذلك، ومتى لم يعد لزمه الدم، فإن عاد قبل بلوغه مسافة القصر سقط عنه الدم'16،
واختار فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله أن من نفر من مكة وهو خارج مكة فعليه دم،
وذكر أن ذلك ما عليه جمهور أهل العلم، وحين جاءه سؤال: نحن من سكان جدة قدمنا العام
الماضي للحج، وأكملنا جميع المناسك ما عدا طواف الوداع؛ فقد أجلَّناه إلى نهاية شهر
ذي الحجة، وبعد أن خف الزحام عدنا فهل حجنا صحيح؟ أجاب: 'إذا حج الإنسان، وأخَّر
طواف الوداع إلى وقت آخر؛ فحجه صحيح، وعليه أن يطوف للوداع عند خروجه من مكة، فإن
كان في خارج مكة كأهل جدة، وأهل الطائف، والمدينة، وأشباههم فليس له النفير حتى
يودع البيت بطواف سبعة أشواط حول الكعبة فقط ليس فيه سعي؛ لأن الوداع ليس فيه سعي
بل طواف فقط، فإن خرج ولم يودع البيت فعليه دم عند جمهور أهل العلم، يذبح في مكة،
ويوزع على الفقراء والمساكين، وحجه صحيح كما تقدم هذا هو الذي عليه جمهور أهل
العلم، فالحاصل أن طواف الوداع نسك واجب في أصح أقوال أهل العلم، وقد ثبت عن ابن
عباس رضي الله عنه أنه قال: 'من ترك نسكاً أو نسيه فليهرق دماً'17،
وهذا نسك تركه الإنسان عمداً، فعليه أن يريق دماً يذبحه في مكة للفقراء والمساكين،
وكونه يرجع بعد ذلك لا يسقطه عنه هذا هو المختار، وهذا هو الأرجح عندي، والله أعلم'18.

 

3-
يشترط
أن يكون طواف الوداع آخر أعماله، وإن جعل طواف الإفاضة آخر أعماله ولم يطف طواف
الوداع أجزأه عن طواف الوداع قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: 'وأما من مسكنه
في جدة، وطاف طواف الإفاضة قبل أن يخلّص الرجم، ونوى في طوافه أن الطواف طواف إفاضة
ووداع؛ فهذا لا يجزيه عن الوداع، لأنه لم يكمل أعمال الحج بعد، ولو كان طوافه
للإفاضة المذكور بعد فراغه من الرمي ونواه للإفاضة، واكتفى به عن الوداع، ولم يُقِم
بعده بل سافر في الحال؛ كفاه عن الوداع'19.

 

وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن تأخير
طواف الإفاضة، وجعله إفاضة ووداع فقال: 'لا حرج في ذلك، لو أن إنساناً أخّر طواف
الإفاضة فلما عزم على السفر طاف عند سفره بعدما رمى الجمار، وانتهى من كل شيء؛ فإن
طواف الإفاضة يجزئه عن طواف الوداع، وإن طافهما - طواف الإفاضة، وطواف الوداع -
فهذا خير إلى خير، ولكن متى اكتفى بواحد ونوى طواف الحج أجزأه ذلك'20.

 

4-
أما أهل
مكة فليس عليهم طواف وداع ولا طواف قدوم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
'ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم، ولا طواف وداع؛ لانتفاء معنى ذلك في حقهم،
فإنهم ليسوا بقادمين إليها، ولا مودعين لها ما داموا فيها'21،
ويدخل في ذلك كل من كان منزله في الحرم المكي قال ابن قدامة رحمه الله: 'ومن كان
منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه'22،
وقال ابن باز رحمه الله: 'ليس على أهل مكة طواف وداع'23.

 

5-
وأهل
مكة ومن مكث في مكة بعد حجة عليهم طواف الوداع إذا أرادوا السفر من مكة قال الإمام
النووي رحمه الله: 'قال أصحابنا: من فرغ من مناسكه، وأراد المقام بمكة؛ ليس عليه
طواف الوداع، وهذا لا خلاف فيه سواء كان من أهلها، أو غريباً، وإن أراد الخروج من
مكة إلى وطنه أو غيره؛ طاف للوداع'24.

 

وخص الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أهل مكة
بطواف الوداع إذا أرادوا السفر من مكة أيام الحج قال رحمه الله: 'إذا كان الرجل من
أهل مكة، وحج وسافر بعد الحج؛ فليطف للوداع لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
لا
ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت 25،
وهذا عام، فنقول لهذا المكي: ما دمت سافرت في أيام الحج، وقد حججت؛ فلا تسافر حتى
تطوف'26.

 

هذا
والله أعلم، وصل اللهم على محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

 

 

 

 

1
بتصرف بدائع الصنائع (2/332).

 

 


2
مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/417) لعبد الرحمن بن محمد بن سليمان
الكليبولي المدعو بشيخي زاده، حققه وخرح آياته وأحاديثه خليل عمران
المنصور، دار الكتب العلمية (1419هـ-1998م) لبنان - بيروت.

 

 

 

3
المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (3/476)، لعبد الله بن أحمد بن
قدامة المقدسي أبو محمد، دار الفكر - بيروت، ط. الأولى (1405).

 

 

 

4
المغني لابن قدامة (3/476).

 

 

 

5
رواه مسلم (2350).

 

 

 

6
رواه البخاري (1636)، ومسلم (2351) بلفظه.

 

 

 

7
الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/ 364)، لأحمد بن غنيم
بن سالم النفراوي المالكي، دار الفكر - بيروت (1415).

 

 

 

8
رواه مسلم (2350).

 

 

 

9
الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 165) لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر
القرطبي، دار الكتب العلمية - بيروت (1407) ط. الأولى.

 

 

 

10
سبق تخريجه.

 

 

 

11
المهذب في فقه الإمام الشافعي (1/232) إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو
إسحاق، دار الفكر، بيروت.

 

 

 

12
مجموع فتاوى ابن باز (30)جزءاً (17/389-390).

 

 

 

13
الشرح الممتع على زاد المستقنع (7/397).

 

 

 

14
مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/417).

 

 

 

15
المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (3/489) لعبد الله بن أحمد بن
قدامة المقدسي أبو محمد، دار الفكر - بيروت، ط. الأولى (1405).

 

 

 

16
المجموع (8/185) لمحي الدين النووي، دار الفكر - بيروت (1997م).

 

 


17
الموطأ (836) بلفظ: 'من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً' قال
الألباني رحمه الله: ضعيف مرفوعاً، وثبت موقوفاً عن ابن عباس، إراوء الغليل
(4/299).

 

 

 

18
مجموع فتاوى ابن باز (17/397).

 

 

 

19
فتاوى الشيخ ابن إبراهيم (6/108).

 

 


20
فتاوى ابن باز (17/332).

 

 

 

21
مجموع الفتاوى (26/261).

 

 

 

22
المغني (3/237).

 

 

 

23
فتاوى ابن باز (17/393).

 

 

 

24
المجموع (8/254).

 

 

 

25
سبق تحريجه.

 

 

 

26
فتاوى ابن عثيمين (23/339).

 

موسوعة الفتاوى