خطب من الحرمين

يوم الحج الأكبر

بتاريخ : 10- 12-1422هـ


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، نحمدك ربي وأنت الرحيم البر، حمدًا كثيرًا يتجدد في الآصَالِ والبُكَر، ونشكرك على ما مننت به علينا من حلول يوم النحر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم بما بطن وما ظهر، سبحانه وبحمده، تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، ومصطفاه من البشر، ذو المجد الأغر، والوجه الأنور، والجبين الأزهر، والفضل الأظهر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما اتصلت عين بنظر وأذن بخبر، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:


فيا إخوة الإسلام، ويا حجاج بيت الله الحرام، أوصيكم ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإنها خير زاد يبلغكم إلى دار السلام، وهي السبب لتكفير الذنوب والآثام، وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يأُوْلِي ٱلألْبَـٰبِ [البقرة:197].


عباد الله، حجاج بيت الله، اشكروا الله جل وعلا على نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، حيث تعيشون هذه الأجواء الروحانية العبقة، والنفحات الإيمانية المباركة، بعد أن منّ الله عليكم بالوقوف على صعيد عرفة، والمبيت بمزدلفة، والإفاضة إلى منى، والقيام بما تيسّر من أعمال يوم النحر، من الرمي والذبح والحلق والطواف، فيا لها من مواقف عظيمة، وأعمال جليلة، حيث تُسكب العبرات، وتتنزل الرحمات، وتُقال العثرات، وتحلّ الخيرات والبركات، وتُمحى الذنوب والسيئات، فاشكروا الله جل وعلا أن بلّغكم هذا اليوم العظيم، وهذا الموسم الكريم.


لك الحمد يا رب الحجيج جمعتهم ليوم طهور الساح والعرصات


واعلموا -رحمكم الله- أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى ذكره، وسمّاه يوم الحج الأكبر، وجعله عيداً للمسلمين، حجاجاً ومقيمين، فيه ينتظم عِقد الحجيج على صعيد منى، في هذا اليوم المبارك يتقرّب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم، اتباعاً لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فهنيئاً لكم يا حجاج بيت الله الحرام، ولتهنئي أمة الإسلام في هذا اليوم الأغر بحلول عيد الأضحى المبارك، أعاده الله على أمة الإسلام بالخير والنصر والعز والتمكين، ويا بُشرى لكم -رعاكم الله- حيث تعيشون أجواء روحانية، ولحظات إيمانية، يُتوّجها وسام شرف الزمان والمكان، فيومكم هذا -يا عباد الله- غرةٌ في جبين الزمان، وابتسامةٌ في ثغر الأوان، كيف وقد جمع الله لكم فيه عيدين في عيد، إنه يوم تثمر فيه أغصان القلوب، وتتحاتُّ فيه أوراق الذنوب، وتجتمع الخلائق تدعو علام الغيوب، وتسأله رفع الدرجات، وتنزل الخيرات، ونجاح الطلبات والرغبات، فيه يتذكر الحاج تأريخنا الإسلامي المجيد، على ثرى هذه الربى والبطاح، ألا ما أشد حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى أخذ الدروس والعبر من هذه المناسبة الإسلامية العظيمة، لتستعيد مجدها بين العالمين، وتحقق بإذن الله العز والنصر والتمكين، في هذا اليوم المبارك يتذكر المسلم عبق الذكريات الخالدة، وشذا الانتصارات الماجدة، ويسعى في تحقيق الآمال الواعدة، والأماني الصاعدة، وهو يعيش هذه الأجواء العابقة.


ضيوف الرحمن، حجاج بيت الله الحرام، أنتم اليوم في يوم النحر، اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، في هذا اليوم الأغر يتوجه الحجاج إلى منى لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، فإذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة ذبح هديه إن كان متمتعاً أو قارناً، فإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام، ثم يحلق الحاج رأسه، وبذلك يتحلل التحلل الأول، فيباح له كل شيء إلا النساء، ثم يتوجه الحاج إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، لقوله سبحانه: ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ [الحج:29]، وبعد الطواف يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو كان قارناً أو مفرداً ولم يكن سعى مع طواف القدوم، ويحصل التحلل الثاني بثلاثة أمور هي رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة، فإذا فعل الحاج هذه الأمور الثلاثة حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، حتى النساء، وإن قدم أو أخّر شيئاً منها فلا حرج إن شاء الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلمما سئل يوم النحر عن شيء قُدّم ولا أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج .


ضيوف الرحمن، حجاج بيت الله الحرام، الواجب عليكم أن تبيتوا الليلة بمنى اتباعاً لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويوم غد إن شاء الله هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، أول أيام التشريق المباركة التي قال الله عز وجل فيها: وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ [البقرة:203]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (هي أيام التشريق)، وقال فيها صلى الله عليه وسلم: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل خرجه مسلم وغيره، فأكثروا -رحمكم الله- من ذكر الله وتكبيره في هذه الأيام المباركة امتثالاً لأمر ربكم تبارك وتعالى، واستناناً بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، واقتفاء لأثر سلفكم الصالح، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكبرون في هذه الأيام الفاضلة، وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته في منى، فيكبر الناس بتكبيره، فترتجّ منى كلها تكبيراً.


الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.


وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم-وهو القائل: خذوا عني مناسككم - في هذه الأيام المباركة رمي الجمار الثلاث بعد الزوال مرتبة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى وهي العقبة، كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات، يُكبّر مع كل حصاة. والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج.


وينبغي للحجاج أن يلازموا ذكر الله وطاعته مدة إقامتهم بمكة المكرمة، فاتقوا الله يا حجاج بيت الله، أدوا مناسككم على وفق سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وعاملوا إخوانكم الحجاج المعاملة الحسنة، تحلوا بحسن السجايا وكريم الشمائل ونبل التعامل، واحذروا الإيذاء والتزاحم، وتحلوا بالرفق والتراحم، وارعوا لهذا المكان قُدسيته، وحافظوا على أمنه ونظامه، واجتنبوا كل ما يعكِّر صفو هذه الشعيرة العظيمة.


ألا وإن مما يؤسف له تساهل بعض الحجاج -هداهم الله- بشيء من أعمال المناسك كالرمي والمبيت وغيرها، فيوكلون من غير ضرورة، بل قد يسافر بعضهم إلى بلده ولا يبيت ولا يرمي، وذلك خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتساهل في تعظيم شعائر الله، ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ [الحج:32].


وإذا رمى الحاج وبات بمنى في اليومين الأولين من أيام التشريق جاز له أن يتعجّل ويخرج من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل وأعظم أجراً، يقول سبحانه: فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ [البقرة:203].


فإذا أراد الحجاج العودة إلى بلادهم وجب عليهم الطواف بالبيت طواف الوداع لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض، متفق عليه، وإن أخر طواف الإفاضة وطافه مع الوداع أجزأه ذلك ولا حرج إن شاء الله.


فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله يا حجاج بيت الله، أتموا مناسككم كما أمركم بذلك ربكم سبحانه بقوله جل وعلا: وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، واحتسبوا الأجر عند ربكم واختموا أعمالكم بالاستغفار والذكر والتوبة، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ *وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ *أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [البقرة:199-202].


إخوتي الحجاج، ألا وإن من الظواهر الجديرة بالمعالجة ظاهرة استعجال بعض الحجاج بالنفرة من منى في اليوم الثاني عشر، فينتظرون وقت الرمي بعد الزوال، ثم يتدافعون حتى يكاد يقتل بعضهم بعضا، وهذا من الخطأ وقلة البصيرة، فوقت الرمي واسع بحمد الله، فاتقوا الله عباد الله، ولا تشقوا على أنفسكم يا حجاج بيت الله، فالحج مظهر من مظاهر العبودية لله، ومعلم من معالم الأخوة والتراحم بين عباد الله، واحذروا أن تكونوا ممن:


يحج كيما يغفر الله ذنبه ويرجع قد حُطت عليه ذنوب


أخي الحاج المبارك، تفقه في أحكام المناسك، واسأل أهل العلم عما يشكل عليك قبل وقوعك فيه.


معاشر المسلمين، ومما ينبغي أن يعلم أن ما يعتقده بعض الحجاج من أن زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمبالمدينة من لوازم الحج خطأ بيّن، فليست الزيارة من لوازم الحج، ولا علاقة لها به، وليست واجبة، وما يُذكر من أحاديث في ذلك فهي مكذوبة موضوعة، لم تثبت عند المحدثين الثقات، كما يُروى: من حج فلم يزرني فقد جفاني ونحوه.


أخي الزائر الكريم، يا من عزمت على زيارة مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، هنيئاً لك زيارة طيبة الطيبة، مأرِز الإيمان، ومهاجر المصطفى من ولد عدنان عليه الصلاة والسلام، الحبيب المجتبى بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، لكن عليك أن تعلم أن من أراد الزيارة فعليه أن يقصد المسجد النبوي الشريف في أي وقت للصلاة فيه، ومن ثم السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه رضي الله عنهما، بأدب واحترام، وخفض صوت، ولا يلزم أن يصلي فيه أوقات متعددة، كما يتوهمه بعض العامة، ولا يجوز التمسح بالحجرة النبوية، أو غيرها من الأماكن كما يفعله بعض الناس هداهم الله.


فينبغي للحجاج أن يلتزموا في كل أفعالهم سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويحذروا كل الحذر من الأمور المبتدعة والمحرمة في الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد خرجه مسلم في صحيحه، وبذلك يكون حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، ويتحقق لهم وعد الله بإعادتهم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، وما ذلك على الله بعزيز.


بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوابين غفوراً.


الخطبة الثانية:


الحمد لله، يمنّ على من يشاء من عباده بالقبول والتوفيق، أحمده تبارك وتعالى وأشكره على أن منّ علينا بحلول عيد الأضحى وقرب أيام التشريق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدانا لأكمل شريعة وأقوم طريق، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله ذو المحْتِد الشريف والنسب العريق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والتصديق، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما توافد الحجيج من كل فج عميق، آمِّين البيت العتيق، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:


فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله يا حجاج بيت الله، واشكروه جل وعلا على سوابغ آلائه، والهجوا بالثناء له على ترادف نعمائه، وكبروه سبحانه، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.


أحبتي الكرام، حجاج بيت الله الحرام، لقد أتيتم إلى هذه البقاع الطاهرة ملبين نداء ربكم، داعين: لبيك اللهم لبيك، معلنين التوحيد الخالص لله، والاستجابة المطلقة لشرعه، وها قد عملتم كثيراً من مناسك حجكم، فالله الله فيما بقي منها، فأحسنوا الختام، فإن الأعمال بالخواتيم، واتقوا الله فيما أنتم مقبلون عليه من الأيام، أعلنوها صريحة دائماً وأبدا في كل وقت وفي كل آن: لبيك اللهم لبيك، إجابةً بعد إجابة، لترتسم آثار الحج على مُحيَّا كل واحد منكم، ليعد كل فرد أحسن مما كان عليه قبل الحج، ليعاهد كل حاج ربه أن يسير على الدرب المستقيم، ويلتزم الحق المبين، ويتبع سنة المصطفى الأمين، عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم.


هل تذكرتم -يا حجاج بيت الله العتيق- وأنتم تعيشون في هذه الأيام الخالدة أباكم إبراهيم وهو يرفع القواعد من البيت وإسماعيل عليهما السلام؟ هل تذكرتم نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلمالذي وقف في هذه العرصات، ودعا وجاهد لإعلاء كلمة الله، ولم يثنِه ثانٍ عن الدعوة الإسلامية؟ هل تذكرتم وأنتم في رحاب هذا البيت الآمن المبارك أن له أخا يئنّ تحت وطأة أعداء الأمة الإسلامية، ويستصرخكم في إنقاذه من براثن اليهودية الغاشمة، والصهيونية الظالمة؟ ذلكم هو المسجد الأقصى المبارك، أقر الله الأعين بفك أسره وقرب تحريره، ومآسي إخوانكم في العقيدة في كل مكان الذين يمر عليهم هذا العيد وهم يعيشون حياة القتل والتشريد، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


إن هذه العبر وهذه الدروس والذكريات المضمّخة بأريج الإيمان وشذا العقيدة وعبق التأريخ والأمجاد مشاعلُ على الطريق تبعث الرجاء، وتشحذ الهمم، وتدفع العزائم، إلى بذل كل ما يستطاع لنصرة دين الله، وخدمة عباد الله، وإعزاز دين الله، والعمل على الارتقاء بأوضاع أمتنا الإسلامية، وتحقيق وحدتها، والسعي في تضامنها، وجمع صفوفها، بعدما تكشّف للغيورين الظروف الحوالك التي تمر بها أمتنا الإسلامية، لا سيما بعد الأحداث العالمية، والمتغيرات الدولية، ولا شك أن مناسبة الحج لبيت الله الحرام فريضة تؤكد على جوانب عظمة الإسلام، وسماحة الشريعة، وعراقة هذه الحضارة، ورعايتها لحقوق الإنسان أكمل رعاية، وبراءتها من كلّ ما توصَم به عبر الحملات الإعلامية المغرضة بالعنف والإرهاب، يا لها من فريضة تدعو إلى الوحدة والتضامن، والحوار والتعاون، وسَبْق هذا الدين وحضارة المسلمين للعالمية الحقة، بعدما ظهر عوار العولمة المفضوحة التي تساوم على ثوابتنا ومبادئنا وقيمنا.


فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله يا حجاج بيت الله، افتحوا صفحة المحاسبة والمراجعة، والتقويم لأعمالكم، واعلموا أن هذه المناسبات ليست تغيراً مؤقتا في حياة الناس، بل هي تغير شامل في جميع مناحي الحياة، فيعود الحاج أحسن مما كان عليه، وتلك أمارة بر الحج وقبوله التي يسعى إليها الحجاج ويرومونها، فاستقيموا على الأعمال الصالحة، وجددوا التوبة إلى الله من ذنوبكم، وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ [الحجر:99].


نسأل الله أن يمنّ علينا وعليكم بالقبول والتوفيق بمنه وكرمه، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول.


ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على سيد البشر، المصطفى الأغر، الشافع المشفع في المحشر، فقد ندبكم لذلك المولى تبارك وتعالى وأمر، في أفضل القيل وأصدق الخبر، ومحكم الآيات والسور، فقال سبحانه قولاً كريماً: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].


اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله ...

موسوعة الفتاوى