خطب من الحرمين

أهمية أمن بلاد الحرمين

بتاريخ : 19- 11-1425هـ


إن الحمد لله، نحمدك ربي ونستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونثني عليك الخير كله، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال، نحمد الله ربنا بجميع محامده، ونثني عليه بآلائه في بادئ الأمر وعائده، ونشكره على وافر عطائه ورافده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترف بلطفه في مصادر التوفيق وموارده، متحلٍ بقلائد التوحيد وقرائده، متصف بالتزام قواعد الدين ومعاقده، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من رسم نهج الهدى لقاصده، والهادي إلى سبيل الحق وماهده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه حماة معالم الدين ومعاهده، ورادة شرعه السائغ لوارده، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لا يجزي فيه مولود عن والده، وسلم تسليمًا كثيرًا.


أمّا بعد:


فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسي بتقوَى الله عزّ وجلّ، فاتّقوه حقَّ التقوَى، فهي الرّكن الأقوَى والذّخر الأبقَى والطّريقُ الأنقَى، وهي نِعمَ المطيّةُ إلى جنّةِ المأوَى.


أيّها المسلمون، منذ الأزَلِ كان الإنسانُ ولم يزَل يتطلَّع إلى حَياةٍ آمنة مطمئنّةٍ على ثرَى هذا الكوكَبِ الأرضيّ، تَستقرّ فيها نفسُه، ويهدَأ خاطِره، ويسلو فؤادُه، ويطمئنّ ضَميره، وهل يُرى الخائفُ الفزِع إلاّ حذرًا يترقّب، لا يتلذَّذ بشرابٍ ولا طعام، ولا يستمتِع براحةٍ ولا منام؟! وإنّ حياتَنا المعاصرةَ التي قطعَت في ميدانِ الرقيِّ المادّيِّ والحضَاريّ شأوًا بعيدًا لا تزال تَرزَح تحت نيرِ القلَق والفزَع، ولم تنفكّ ترصف في أصفادِ الخَوف والهلَع وأوهاق الاضطراب والفوضَى، وأيُّ طعمٍ للحياة تحت هذه المعاني القاتمة الكالحَة؟!


ويومَ أن أشرقَت شمسُ هذه الشريعةِ الغراء ظلّلت الكونَ بأمنٍ وارِف وأمان سابغ المعاطِف، لا يستقلّ بوصفِه بيان، ولا يخطّه يَراعٌ وبنان، فالأمنُ مطلَبٌ يرومه جميعُ الأفرادِ والمجتمعات، وتنشدُه كلُّ الشعوبِ والحضاراتِ، في بُعدٍ عن منغّصاتِ الجرائم، وفي منأًى عن جالِباتِ القواصم.


يقالُ ذلك ـ أيّها المسلمون ـ والأمّةُ الإسلاميّة تتوجّه هذه الأيّام نحوَ محوَرِها الذي يجمعها، فالأعناقُ مشرئّبِةٌ والأنظار متوجّهة نحوَ قُطبِ الأمنِ والأمان وركيزةِ الاستقرار والاطمئنانِ، فها هي طلائعُ وفودِ الله قد أقبَلَت، وها هي حلقاتُ قوافلِ ضيوف الرحمن قد شرَّفَت، فحيّ هلا بأكرمِ الوفود في أجلِّ بقعةٍ وأفضلِ مشهود.


إخوةَ الإيمان، لقد شاءَ الله لبلاد الحرمين الشريفَين اصطفاءً واختيارًا، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، فجَعلها منطلقًا للرّسالة الإسلاميّة الخالدة، ومتنزَّلاً لوحيه، ومهدًا لدعوة نبيّه عليه الصلاة والسلام، وقِبلةً لعبادِه، ومهوًى لأفئِدَتهم، ومحلاًّ لأداء مناسِكهم، فأمنُها أمنٌ لجميع البلاد، ونورُ إيمانها متلألِئ بحمد الله في كلّ الأصقاع والوِهاد. قلعةٌ من قِلاع الهدى، وصَخرة شمّاء تتهاوى أمامَها سهام العِدا، وتتلاشى أمام شموخِها عوامل الرّدى. منارةُ الإسلام ومأرِز الإيمان ومحضن العقيدة والشريعة ومركَز الإشعاعِ والحضارة ومنطَلَق القيادة والسّيادةِ والرّيادة للعالمِ الإسلاميّ والخطُّ الأخير في غرّةِ الوجود الإسلامي وخاتمةُ سورِ الدّفاع العقديّ والحصنِ الإيمانيّ. هي معقِل الشريعة وعاصمتُها الخالدة ورأسُ مال الأمّة وأغلى أرباحِها، تُعدّ بمثابةِ مركز القَلب في الجِسم الإنسانيّ، حفِظها الله فلم تطَأها قدمُ مستَعمِر، وسلَّمها الله فلن تعبَثَ بأمنِها يد دَعيٍّ مستهتِر. لا مكانَ فيها بإذن الله للعمليّات الإرهابيّة، ولا مجالَ فيها للأعمالِ التخريبيّة والأفعال الإجراميّة، فاللهُ قد بسَط أمنَه في ربوعها، ونشر أمانَه في كلِّ أرجائها، فله الحمد والمنة.


وإنَّ المسلم الحقَّ لينشرِح صدرُه باستتباب الأمن في قِبلة الإسلام الأولى وانطلاقَةِ دعوتِه الكبرى، ويفرح ويغتبِط حينما يرَى صفاء العقيدَة، ويغمره السّرور ويكتنِفه الاستبشارُ والحبور حين يجِد الراحةَ والأمن وهو يحجّ ويعتمِر بكلّ أمانٍ واطمئنان، بعدما كانت رحلةُ الحجّ والعمرة رحلةً مصيريّة تمثِّل حياةً أو مَوتًا، فللَّه الحمد أولاً وآخرًا وباطنًا وظاهرًا.


معاشر المسلمين، وإنَّ من فضل الله على عباده ما هيّأ لهم من هذا البيتِ الحرام والبلدِ الأمين، الحرمِ الأزهر والثرى الأفيحِ الأطهر والمقامِ الأسنى الأنوَر، خيرِ الأماكن وأجلِّ البقاع على الإطلاق وأفضلِها باتفاق، كيف وقد أدام الله ذكرَها في قرآنٍ يتلَى إلى يوم التلاق؟! يقول سبحانه: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [النمل:91]، وقد امتنَّ سبحانه على ساكني هذه الدّيار بنعمة الأمن والإيمان، فقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، على حينِ أنَّ العالمَ اليومَ تتناوَشه حروبٌ عاصفة ورعودٌ بالخوف والفزع قاصفةـ وتقضّ مضاجعَه أعمال الإرهاب والحوادث، وتنغِّص أمنَه أبشعُ الجرائم والكوارِث، وأخبارُ الزلازل والفيضانات والبراكين والاضطرابات وتنامِي أعمال التخريب والتفجيرات.


إخوةَ العقيدة، وإذا كان الأمنُ في البلدِ الحرام متعدِّيًا إلى الصيدِ والنبات والجماد، فكيف بالإنسان المسلم؟! فهل بعدَ هذا من دليلٍ على رعايةِ الإسلام الفائقَة لحقوق الإنسان، وأنه دينُ الرحمة والأمن والخير والسلام؟!


إنَّ حرمةَ هذا البلد نافذة، وأمنَه ومكانتَه دائمة، من لَدن إبراهيمَ وإسماعيل عليهما السلام، إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وقد حماه سبحانه من كلِّ كيد وردَّ دونه أعتى أيد.


وهذا الأمنُ الذي امتدَّ مَداه وعمَّ أثره وسناه خاصّ بالبلد الحرام من سِوى الأرض أجمع، لا يرتفِع عنها ولا ينفضّ منها بحالٍ من الأحوال، فهو أمنٌ إلهيّ معجِزٌ لكلِّ المحاولات البشريّة في إيجاد منطقةٍ حرام يعمّ فيها الأمنُ والسّلام، ويلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصِمون، وتحقَن الدّماء، ويلوذ بها كلُّ ملهوف، ويؤمَّن فيها كلّ مخوف، وهذا البلد الحرام وما اشتمل عليه من خصائصَ عِظام وأمنٍ لا يُضام منقطِع النّظير والأشباه، وذكرُ شرفِه وأمنِه جارٍ مجرَى سوائِرِ الأمثال على الأفواه، تتساقَط الشّعارات وتتهاوَى الحضارات كأوراق الخريف اليابسَة، ويبقَى البلد الحرامُ عبرَ التأريخ محفوظًا بحِفظ الله، رمزًا للتّوحيد وموئِلاً للعقيدة ودوحةً للأمن والأمان بحمد الله.


معاشرَ المسلمين، ولقد دَأب الخصومُ على رفعِ عقيرَتهم عند تجدُّدِ كلِّ نِعمة وتبدّدِ كلِّ نقمة، فشنّوا الحملاتِ الإعلاميّةَ المغرِضة، وبثّوا الدِّعايات والوشايات الكاذِبة ضدَّ هذه البلادِ المباركة، وهي شِنشِنة معروفةٌ من أَخزَم، يردِّدها بعض من أرخَى زِمامَ نفسِه لخصمه، وأعار عَقلَه وفكرَه لغيره، فصار يهذِي بما لا يدرِي، ويهرفُ بما لا يعرف، جهلاً أو إغراضًا، دون رويّةٍ وتثبّت ونظرٍ وتبيّنٍ واطّلاع، يصدِّق كلَّ ما يذاع، ويسلِّم بكلِّ يُشاع. وشأنُ المسلم الحصيفِ الواعي أن ينظرَ بميزان النقلِ الصحيح والعقل الصريح وجلب المصالح ودرءِ المفاسد والحذَرِ من الانسياقِ وراء أدعياءِ كلِّ فتنةٍ ومؤجِّجِي كلِّ محنَة.


إنَّ علينا جميعًا ـ يا رعاكم الله ـ أن نكونَ مع عِظَم هذا التشريفِ على مستوَى الثقةِ والتكليف، سائرين على دَربِ الجماعة تحتَ رايةِ التوحيد وعلى منهاجِ النبوّة، لا تتوازَعنا الفرَقُ والأهواء، ولا تفرِّقنا الأحزاب والآراء، محيينَ لما اندَرَس من معالم الدّين، مصحِّحين لما التبَسَ من مفاهيم الشريعة، محاذرين كلَّ شائعةٍ وتشويش، مجانِبين كلَّ ذائعةٍ وتشويش، تقصِد الإساءةَ والبلبلة والتحريش.


أمّةَ الإسلام، إنَّ من الثوابت والمسلَّمات أن قدسيةَ الحرمين الشريفين والتجافي عن كلِّ ما يعكِّر أمنَهما عقيدةٌ راسِخة وقضيّة أزليّة ثابتة، لا يغيِّرها السنون، ولا تبدِّلها القرون، فحريٌّ بأهلِ الإيمان مراعاتها والحفاظُ عليها، لا سيّما في زمن الفتن والتحدّيات والمحن والمتغيرات.


يؤكَّد ذلك والأمّةُ لا زالت تكتوِي بنار حملاتٍ مسعورَة تتبارَى وصيحاتٍ مغرضة تتعالى وتتجارَى، ولم يعد أحدٌ في تكذيبها يتمارَى. ألسنةٌ بالبُهتِ انطلقت وبالحِقدِ الدّفين اندَلقَت، إنه وإنِ انبرَى سفيهٌ غيرُ فقيهٍ ولاسنَ موتور ونبَح مَسعورٌ هبيلُ الرأي مسَطَّح التفكير، إثارةً للفتنةِ في بلادِ الحرَمين، وتأجيجًا للأغرار، وتهييجًا للرّعاع، فلن يزيدَ أمنَها إلا ثباتًا وأمانَها إلاّ رُسوخًا. والذي يقال لهؤلاء وأولئك: اقرَؤوا التاريخَ إذ فيه العِبَر، فللبيتِ ربٌّ يحميه، وفي الأثرِ عن أنَسٍ رضي الله عنه: (الفِتنةُ نائمةٌ لعَن الله من أيقظها).


إنَّ استحكامَ الأمنِ في البلد الحرام عقيدةٌ راسخة، أصلُها ثابت وفرعُها في السماء، إزاءَ ما يُعلَم من حملاتٍ ماكِرة وهجماتٍ سافرة، ترفّ حولَ الإسلام وأهله وقِبلته ومقدَّساته من قِبَل أعدائِه وخصومِه ومَن سار في فَلَكهم وخدَم أغراضَهم وحقَّق مَرامَهم من بني جِلدتنا ومن يتكلَّمون بألسنَتِنا، فالذي حفِظَ بيتَه الحرام وسدَنتُه مشرِكون حافظُه ـ بحوله وقوّته ـ وسدَنتُه موحِّدون متَّبعون.


وإنَّ الأمنَ العميم الذي ضرَب بجِرانِه وأحاط بأركانِه على بلادِ الحرمين ـ زادَها الله توفيقًا ـ فآضَت بحمد الله مضرِبَ الأمثال وواحةَ سلامٍ واطمِئنانٍ عديمةَ المِثال لن تفُلَّ في شباتِه أصواتٌ ببَّغاويّة مغرِضة، ولن يلينَ من قناتِه أحداثٌ نشاز عن الحقِّ والهدَى معرِضة. فتبًّا لكلِّ يدٍ آثمة معتديَةٍ على أمنِ البلاد والعباد، متعطِّشةٍ لسفكِ الدّماء وتناثُر الأشلاء وانتهاك حُرمة الأبرياء، ناهِجةٍ منهجَ التّكفير، سالِكةٍ مسلكَ الإجرام والتفجير والتخريبِ والتدمير.


خرّج الترمذيّ في سننه أنّ رسولَ الله صلي الله عليه وسلمنظرَ إلى الكعبة فقال: ما أعظمَك وأعظمَ حرمتَك، إلاّ أنَّ المؤمنَ أعظمُ عندَ الله حرمةً منك . ولقد ضَرَب السلف الكرامُ أروعَ الأمثلة في تعظيمِ البلَدِ الحرامِ والشهر الحرام، وما ذلك إلاّ خشيةَ اللَّمَم وتعظيمًا للحَرَم وصيانةً للحُرَم. ألا ما أروعَه من أدَبٍ، وما أنبلَه من أرَب، وبُؤسًا ثم بُؤسًا لمن خرَج عن نهجِه وشغب. كم يستبيك معظِّمُ الحرَمِ الحرام، وكم يستهوِيكَ موقِّرُ هذه العرَصَات العِظام، وتالله إنَّ ذلك لعنوانُ الصّلاح والفَلاح وميسمُ التّقوَى في الخلوةِ والجلوى، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]. فهنيئًا لمن درَج بالخشيةِ بين جنباتِ هذه البلاد الطيّبة ونبَت، ويا بُشرى لمن استقرَّ على تعظيمِها وثبَت، فاللهَ اللهَ ـ إخوتي الحجّاج ـ في المحافظةِ على هذهِ الأجواءِ الآمنة المطمئنّة وتوقير هذه المشاعِر والبقاع الشريفة، فأمنُها أمنٌ لكلِّ مُستقْبِلٍ لقِبلتها، لا يغيظ بذلك إلاّ قلبُ كلِّ جحودٍ وضميرُ كلّ كَنود.


أمّةَ الإسلام، ومع ما يذكَّر من مكانةِ هذه البقاعِ الشريفة وضرورةِ رعايةِ أمنِها، فهي ليست دعوةً محليّة ولا إقليميّة ولا عنصريّة، وإنما هي دعوةٌ إسلاميّة شرعيّة عالميّة، وهذا قدَر الله وإرادتُه الكونيّة والشرعيّة لهذه البلاد المباركة، بل فخرُها وشَرَفها، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وما موقِع هذه البقعةِ مِنَ العالم إلاّ موقِعُ القِبلةِ من المصلَّى والتاجِ منَ الحُلّة والغُرّةِ من التّحجيل، وقولوا لي بربِّكم: من الذي لا يطبَع قُبلتَه على قِبلتِه ويهيم بحبِّ عَرَفات الشّعائر ومقدَّسات المشاعر وأماكِنِ المناسك لكلِّ متعبِّدٍ ناسِك؟! بل حُبُّها في ضميرِ كلِّ مؤمِنٍ يفيض، ومن قلبِ كلِّ شانئ يغيض، واللبيبُ المنصِف الذي لم تُعشِ نورَ بصَرِه وبصيرته رواسِبُ الغلِّ والشّحناء وكوامِنُ الحِقد والحسَد والبغضاء يدرِكُ أنَّ هذه الحقيقةَ معلَم من معالم هذه الشريعة وملمَح مهمٌّ مِن ملامح هذه الملّة، ينبغي أن يُروَى فلا يُطوى، ويُظهَرَ فلا يغمر، ولا يبانَ فلا يُطمَر، لاسيما للنّشء والأجيال.


يقال ذلك ـ أيّها المسلمون ـ تذكيرًا بالنّعَم ليُشكَرَ المنعِم المتفضِّل سبحانه، وتأكيدًا على هذه القضيّةِ المهمّة؛ حتى يتذكَّرَها جيلُ اليوم الذي يُخشَى أن ينخدِعَ بالأبواق النّاعِقَة التي أصبَحَت من المصداقيّة نافِقَة، وإهابَةً بالأمن للتذكُّر والاتّعاظ والاعتبار، وليس هذا القولُ لأحدٍ مجاملةً ومَدحًا، ولا لآخرَ ذمًّا وقدحًا، ولكنّه لله ثمّ للحقيقةِ والتأريخ.


أمّةَ الإسلام، وحينما يُذكَّر المسلمون بهذا الموضوعِ المهمّ فإنّ كلَّ غيورٍ تهتَزّ بالشّجب والإدانةِ مشاعِرُه وتتحرَّك بالاستنكارِ والتنديد كوامِنُه لكلِّ ما يكونُ سببًا في تقويضِهِ وزَعزَعةِ أمنِه، ولا شكَّ أنَّ ما حَدثَ مؤخَّرًا في مدينةِ الرياض ـ عاصِمةِ بلادِ الحرمين رياضِ التوحيدِ ونجدِ الأصالةِ والتّجديد ـ من تفجيراتٍ آثمة يائِسَة يُعدّ ضربًا من ضروبِ الإفسادِ المحرَّمِ، وصورةً قاتمة من صوَرِ الإرهاب المجرَّم، ودليلاً قاطعًا على تداعِي فِكرِ الغُلوِّ المنحرِف وتهافُتِه بطريقةٍ بشِعَة، حيث يهدِف إلى جرِّ بِلادِ التوحيدِ إلى ميدانٍ للاحتِرابِ والتفجير ومستَنقَعٍ للتّخريب والتدمير، ومع ذلك فإنّه يمثِّلُ ـ بحولِ الله ـ نهايةَ النهايةِ لهذا الفِكرِ المنحرِفِ لما أفرَزَه من أفعالٍ عشوائيّة يائسَةٍ وأعمَال مرتَجَلةٍ مترنِّحَة، تستهدِف كلَّ ما أمَامَها ولو كانَ البلَدَ ومكتسباتِه والمجتَمعَ ومنشآته وقلاعَ أمنه ورجالَه وممتلكاتِه، ممّا يؤكِّد حالةَ اليأس التي يعانيها وأوضاعَ البؤسِ بأبشعِ مراميها، وما هي إلاّ فُقاعاتٌ زائِلَة وإفلاس ذريعٌ وفشَل ظاهِر مفضوح وعبَثٌ صبيانيّ غيرُ مبرَّر.


والسؤال الذي يطرَح نفسَه: لماذا كلُّ هذا التصعيد الإرهابي؟! وإلى متى يستمرّ هذا المسلسَل الإجراميّ؟! ولماذا هذا التوقيتُ الزمنيّ في شهرٍ من أشهُرِ الله الحرُم، وفي الوقتِ الذي تستقبل الأمّة فيه موسِمَ الحجّ المبارك؟! وما هو دورُ كلٍّ منّا في إطفاءِ نارِ الفِتنة والوقوفِ بحزمٍ أمامَ المحرِّضِين عليها منَ القَعَدَةِ المتوَاطِئين والمتخاذِلِين المتفرِّجين؟! وهل يدرِكُ هؤلاء ومَن يقِف وراءَهم أنهم دُمًى يستخدِمها أعداءُ الملّةِ والأمّة وخصومُ البلاد وشانِئوها في تحقيقِ أغراضِهمُ الدّنيئةِ شاؤوا أم أبَوا؟! وهل أخذَتِ الأمةُ بالتدابيرِ الوَاقيَة لحمايةِ عقول أبنائِها وأفكارِ شبابها من هذا الدّخنِ الفكريّ والانحراف المنهجيّ؟! وهل يجعَل أبناءُ هذه البلادِ من أنفسِهم رقيبًا حاضرًا وعينًا ساهِرَةً لا تتغاضَى أمام أيِّ خِيانة لأمنِ البلاد وأمانها؟!


ومع ذلك فإنّه من التحدُّث بنعَم الله تلك الجهودُ الأمنيّة المباركة والضَرَبات الاستباقيّة الموفَّقةُ لرجالِ أمننا البواسِل الذين وقفوا في هذهِ الأحداث موقفَ اللّيوث الأشاوِس على أبوابِ العرينِ الوادع، والدعاءُ مبذولٌ لهم من حرَم الله الآمنِ أن يزيدَهم الله ثباتًا على ثباتهم، ويملأَ قلوبَهم سكينةً وطمأنينة، وأن يجعلَ أعمالهم رِباطًا في سبيله، وأن يثقِّل بها موازينَهم كِفاءَ ما قدّموا ويقدِّمون في خِدمة مجتمَعهم، وجزاءَ ما بذلوا ويبذُلون في تعزيزِ أمنِ بلادهم والمحافظةِ على ثغور مجتمَعِهم، مما يتطلَّب شدَّ أزرِهم وشحذَ هِمَمهم واستنهاضَ عزائمهم وتقديرَ جهودهم والتعاونَ معهم في تحقيقِ الأمن للبلاد والعباد.


ألا فلتسلَم بلادُنا الشماء، ولتهنَأ ربوعُنا الغنّاء، ولتبقَ عبرَ الأعصار دُرّةَ الأمصار وشامَةَ الأقطار وواحةَ أمنٍ وأمانٍ ومنطَلَقَ خيرٍ وسلام واطمئنان للبشريّة كافّة، ولتدُم حارسةً للعقيدة ذائِدةً عن الشريعة ساعيَةً لكلِّ خيرٍ وصلاح للإسلامِ والمسلمين، بل والإنسانيةِ جميعًا، وشاهَت وجوهُ الخصومِ المتربِّصين ورغِمَت أنوفُ الحاقِدين الحاسدين الذين تزكِمُهم وتشرِقُهم منظومتُها الأمنيّةُ المتألِّقة ونسيجُها الأمنيّ المتميِّز، وإن رغِمَت أنوفٌ من أناسٍ فقل: يا ربِّ، لا ترغِم سِواها.


حفِظ الله بلادَ الحرمين وسائرَ بلاد المسلمين من كيدِ الكائدين وحِقد الحاقدين وعدوانِ المعتدين، وأدام عليها أمنَها وإيمانها ورخاءَها واستقرارها، إنّه خير مسؤول وأكرَم مأمول، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].


نفعني الله وإيّاكم بالوحيين، وبهديِ سيد الثّقلين، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولكافّة المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إن ربي لغفور رحيمٌ.


الخطبة الثانية:


الحمد لله الذي منَّ علينا بالإسلامِ شِرعة ومنهاجًا، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له هيّأ لعبادِه البلدَ الحرام فأمّوه آحادًا وأفواجًا، وكسَاه من حُلَل الأمن والإيمان ما يزيده جَلالاً وابتهاجًا، وأشهد أن نبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله بعثَه ربّه هاديًا ونورًا وسراجًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه الذين كانوا للمقتفِين نِبراسًا وللأمة تاجًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسان ما أهلَّ محرِمٌ بالتوحيد وناجى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، ويا أيّها الحجاج الميامين، اتقوا الله ربَّكم فهو بالتقوى قمين.


عباد الله، حجّاجَ بيت الله، ها هي أيّامُ الحجِّ المبارَكَة قد أظلَّت، ولياليهِ الزُّهرُ قد أهلَّت، وبواعِثُ الشوق من مكانِها أهبَّت، وأفئدَةُ المسعَدِين بهذا المكانِ قد وضعَت وخَبّت، وها هي بلادُ الحرَمين الشّريفين لكم قد تبدَّت واستعدَّت، برّاقةَ المباسم استبشارًا بكُم يا وفودَ خيرِ المواسِم.


أيّها الحجاجُ الأكارِم، يا مَن تكابِدون من أجلِ هذه الفريضةِ العظيمة الشوقَ وضرامها، ومِن أجلِ هذا البيت العتيق النّوَى وسِقامه، اشكُروا الله عزّ وجلّ على ما تنعَمون به من شرفَيِ الزمان والمكان، واغتنِموا ـ رحمكم الله ـ الأجورَ والعطايا، واجتنِبوا الآثام والخطايا، فالحقّ تبارك وتعالى يقول: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:179]، ويقول صلي الله عليه وسلم: ليس للحجِّ المبرور ثواب إلا الجنة خرّجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.


أخي الحاجَّ المبارَك، ها وقَد أسعَدَك الله بسلامةِ الوصول وحصولِ المأمول، وأمتَعَك ببَردِ اليقين، فسحَّت عينُك الدّمعَ السخين، خوفًا من الآثام والذّنوب، واستغفارًا للمعاصي والحوبِ، فاحرص ـ وفّقك الله ـ أن تكونَ نقِيًّا من ألفاظِك، غضيضًا في ألحاظِك، آطِرًا نفسَك على القُرُبات والطّاعات، صائِنًا قلبَك عن الهوى والدركات، مخلِصًا لمن لبَّيت نداءَه بالحج، وليكُن ذلك ـ يا محبّ ـ ديدنَك في كلِّ طريق وفجّ، متحلِّيًا بحسن الأخلاقِ ونُبل الشمائل وكريمِ السجايا وأدبِ التّعامُل، وحِفظِ الأمن والنظام والتأسِّي بالحبيب المصطَفى والرسول المجتبى القائل: خُذُوا عني مناسِكَكم ، والاستعدادِ لهذه الفريضةِ العظيمة بالعِلم النافع والعمل الصّالح والتوبةِ النصوح، فلا مكانَ في الحجّ للمزايَداتِ والمهاتَرات والتّجمّعات والمظاهرات.


أيّها الأحبّةُ في الله، وثمّةَ لطيفةٌ ينبغِي أن لا تعزُبَ عن ذهنِ قاصِدِ بيتِ الله الحرام، وهي ذلك الارتباطُ الوثيق والاتِّصال العميق بين الأمنِ والإيمان، بين البيتِ والتوحيد، بينِ الحجّ والعقيدة، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [الحج:26]. فالتّوحيد ـ يا عبادَ الله ـ أولاً وآخرًا، والعقيدةُ ـ يا حجَّاجَ بيتِ الله ـ ابتِداءً وانتهاءً، فإذا آمنّا أمِنَّا، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، وإذا وحَّدنا توحَّدنا، إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92].


ألا فاتَّقوا الله عبادَ الله، وعظِّموا الشعائرَ والمشاعر تحظَوا بالخيرِ الوافر والنجاةِ يومَ تُبلَى السرائر، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].


ألا وصلّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على الهادي البشير والسراج المنير كما أمركم بذلك اللطيف الخبير فقال عزّ من قائلٍ كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].


اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيّد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياءِ والمرسلين ورحمةِ الله للعالمين نبيّنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وأزواجه أمّهات المؤمنين، وصحابته الغرّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

موسوعة الفتاوى